دليل ارشادي لكيفيه تكوين العلاقات وتبادل الافكار والمعلومات
يرتبط العالم بعدّة شبكاتٍ، كشبكة الاتصالات، والشبكة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وكلّ هذه الشّبكات أوجدها البشر لربط العالم ببعضه، وتبادل المصالح والفائدة المشتركة، وهذا على المستوى العالميّ، لكنّ كلّ واحدٍ منّا لديه عالمه المصغّر، ولديه شبكة علاقاته الخاصّة المقتضبة عند البعض، والممتدّة عند البعض الآخر، وهذه العلاقات بنيت خلال مسيرة حياتنا، كعلاقاتنا مع العائلة وزملاء الدّراسة والعمل، وتمثّل شبكة العلاقات أمراً مهمّاً جدّاً للنّجاح في حياتنا الشّخصيّة والعمليّة، فهي التي تسيّر حياتنا وتقوي مهاراتنا، وتؤثّر في كلّ نواحي الحياة، فإذا أردت أن تسلك طريق النّجاح السّريع وتحقيق الأهداف، عليك أن تعرف كيف تطوّر شبكة علاقاتك، فتزيل منها نقاط الضّعف وتجد مراكز القوّة، وتوسّع دائرة معارفك وتختار الأشخاص المناسبين، وعندها ستتفاجأ بكمّ الفوائد النّاتجة عن ذلك، وانعكاسه على نوعيّة الحياة وسهولتها بشكلٍ ملحوظٍ. ماذا سنتعلّم من هذا الكتاب؟ أهميّة العلاقات القديمة وضرورة النّظر إلى الصّورة الأشمل لشبكة العلاقات. أثر الوساطة وأهميّة سدّ الثّغرات في شبكة العلاقات، ومفهوم الصّومعة وكيفيّة التّعامل معها. كيف تكون متصلاً خارقاً بشكلٍ إيجابيٍّ، وصعوبة إنشاء العلاقات وكيفيّة التّغلّب على ذلك. ما بين الشّهرة والشّعبيّة، ماذا عليك أن تختار؟ أهميّة الرّوابط التّعدّدية للنّجاح.
غالباً ما نبحث عن الرّاحة والدّفء في علاقاتنا بالآخرين، وأكثر ما نجدها في علاقاتنا العائليّة ومع أصدقائنا المقرّبين، فهؤلاء من يعرفنا جيّداً ويثقون بنا، وهم من ينظر إلينا بعين الرّعاية والاهتمام، ونشعر برفقتهم بالدّفء والمحبّة، ولكن تبقى هذه الشّبكة محدودة المصادر والمعلومات، وخاصّةً حين نبحث عن الفرص، فعندما تواجه مسألةً ما، وتريد حلّها، يجب عليك البحث عن مصادر جديدةٍ، ولكن أين تجدها؟ إنّ الحلّ بسيطٌ، ويكمن بفتح دفاترك القديمة لتعمل على تنشيط العلاقات السّابقة التي فقدت الاتصال بها؛ فهناك قوّةٌ مذهلةٌ تكمن في علاقاتك الخاملة، حيث تختلف دائرة علاقاتهم الحالية عن دائرتك، وبالتّأكيد ستجد الحلّ لمشكلتك عند صديقٍ لأحد الأصدقاء، فهذه العلاقات المنسيّة تعدّ بمثابة مدخلٍ لشبكاتٍ جديدةٍ من المعلومات والمصادر، وكذلك مصدرٌ للفرص. يبدو العالم كشبكة تواصلٍ كبيرةٍ، كلّنا متصلين بجزءٍ منها، ولكلّ واحدٍ منّا شبكة علاقاته الخاصّة، فمنها الكبيرة المتعدّدة، ومنها الصّغيرة المحدودة، ومن الطّبيعيّ أنّ الشّبكة الكبيرة ذات التّنوّع بالعلاقات والتّجمّعات المختلفة هي الأفضل، فكلّما توسّعت دائرتك، زادت فرصك وقدراتك. يتفرّع من شبكة العلاقات الخاصّة بنا شبكاتٌ أخرى أكبر، فكلّ واحدٍ من أصدقائنا له علاقاته، وهذه الشّبكات الفرعيّة مرتبطةٌ بأخرى أكبر، فلو نظرت بشموليّةٍ، ستجد أنّ بإمكانك الوصول لعددٍ كبيرٍ من الأشخاص وعمل شبكة علاقاتٍ هائلةٍ، ولكن هذا سيتطلّب الكثير من الجهد والموهبة أيضاً، كما عليك الأخذ بعين الاعتبار أنّ قيمة الشّبكة لا تقاس بحجمها فقط، وإنّما بموهبتك في التّواصل وقدرتك على التّنقّل بين هذه الشّبكات وإنشاء روابط خاصّةٍ بك، إذ ستجعلك هذه الموهبة شخصاً اجتماعيّاً بالدّرجة الأولى، وستعود عليك بفوائد جمّةٍ كذلك.
تظهر الدّراسات والأبحاث الاجتماعيّة شبكة العلاقات الإنسانيّة على شكل تجمّعاتٍ، وكلّ تجمّعٍ له أسبابٌ وروابط معيّنةٌ تجمع أعضاءه معاً، إذ يتمّ تداول المعلومات والأحداث داخل هذه التّجمّعات، لكن يوجد بين كلّ تجمّعٍ وآخر فراغاتٌ تفصل بينها، والتي تمتلئ بالفرص والمعلومات من التّجمّعات المختلفة وتعود بالفائدة الجمّة على من يتمكّن من ملئها، وهنا يأتي دور الوسيط القادر على الاتصال مع أكثر من تجمّعٍ، ويمكنه الرّبط بين هذه التّجمّعات، وسدّ الفراغات الموجودة بينها، ويعتبر هؤلاء الوسطاء أكثر الأشخاص تميّزاً من حيث قوّة وجودة شبكاتهم الاجتماعيّة، فكلّما زاد ارتباط الإنسان بتجمّعاتٍ متنوعةٍ أكثر، زادت قدراته وسرعته في الوصول لأهدافه. تزيد التّجمّعات من القدرة على الإنتاجيّة والإبداع، وترفع من قوّة العلاقات والارتباط معاً، ومع مرور الوقت تمسح الحواجز الدّاخليّة بين أعضائها، وبالمقابل ترتفع الحواجز الخارجيّة، فتصبح حصناً لهم على نحوٍ يزيد من إحساسهم بالحريّة والأمان، ويمكن تسمية هذا التّجمّع بالصّومعة، وهو ليس مقتصراً على الأفراد، بل يمتدّ إلى الشّركات نفسها، فهذه الصّومعة مفيدةٌ للبشر كما هي للأعمال، فهي تساعد على النّموّ والتّقدّم، ولكن إلى حدٍّ معيّنٍ، وتشير الأبحاث الحديثة إلى ضرورة وجود التّجميع والصّوامع وأثرها في نشر المعلومات والفرص، إذ تعتبر الصّومعة مكاناً جذّاباً للجميع، باعتبارها تمثّل مساحة الأمان والحريّة، ولكنّ البقاء فيها لمدّةٍ طويلةٍ له نتائج سلبيّةٌ كثيرةٌ وضارّةٌ على كلّ الأصعدة، وقد يؤدّي إلى الدّمار في نهاية المطاف. لذا يبرز الحلّ الأمثل في إيجاد التّوازن بالقدرة على الخروج والاتّصال بالتّجمّعات المختلفة، والقدرة على العودة من بعد ذلك، فالأشخاص القادرون على التّنقّل بين التّجمّعات أو شبكات العلاقات المختلفة هم الأنجح على المستويّين العمليّ والاجتماعيّ، لذلك يتوجّب عليك الخروج من صومعتك، والمشاركة في تجمّعاتٍ جديدةٍ، كالمؤتمرات، والنّوادي، وغيرها، إذ يضيف الارتباط في تجمّعاتٍ جديدةٍ مختلفة الاهتمامات نقاط قوّةٍ لك ولشبكتك.
يكشف البحث في الشّبكات البشريّة أنّ بعض الأشخاص لديهم روابط أكثر تشعّباً من الآخرين، إذ يتمايز البشر من ناحية التّواصل والعلاقات، فهناك الانطوائيّون ذوو الشّبكة المحدودة جدّاً، وهناك الطّبيعيّون الذين يشكّلون الغالبيّة، إذ يكون لديهم كميّة علاقاتٍ طبيعيّةٍ، وهناك أيضاً المتوسّعون الذين لديهم كميّةٌ هائلةٌ من العلاقات والاتّصال بالعديد من التّجمّعات المتنوّعة، وهؤلاء من نسمّيهم المتصلّين الخارقين، إذ يكونون في الغالب من الأشخاص النّاجحين جدّاً، والذين يصلون لأعلى المناصب وبأسهل الطّرق. يمتلك البعض موهبة الاتصال الجماعيّ بالفطرة، ولكن يمكن اكتساب هذه الموهبة والتّمرّن عليها وإتقانها، إذ يستطيع أيّ شخصٍ أن يصبح متصلاً خارقاً، عليك أوّلاً احترام العلاقات، والتّعامل مع كلّ معارفك بطريقةٍ محبّةٍ مع إشعارهم بالاهتمام المستمرّ، وكوّن ملخصاً يصف الأشخاص المحيطين بك، وخذ منه عوامل القوّة والإيجابيّات ممزوجةً برأيك الشّخصيّ، واستخدمها للتّعريف عنهم أمام الأشخاص الآخرين، حيث تبرز هذه الطّريقة كأسلوبٍ مريحٍ وجذّابٍ للجميع، وتعمل على بناء الثّقة بينك وبين الأطراف الأخرى، وتعطيك الإحساس بالسّيطرة، لذلك ابدأ بتدريب نفسك على معرفة من حولك، واعتمد هذه الطّريقة للتّعريف بين الأطراف المختلفة، واستمرّ بذلك حتّى تصبح عادةً لديك، وفي كلّ مرّةٍ سوف تحسّ بالسّيطرة أكثر، وستزيد شعبيتك لدى الآخرين.
يتميّز المتّصلون الخارقون بعلاقاتهم المتعدّدة التي تنمو باستمرارٍ، وقد يبدو ذلك عزيز المنال في تأسيس هذا الكمّ الكبير من العلاقات والحفاظ عليها، ولكن ينبغي التّأكيد على سلاسة ذلك وبساطته في حالة التّقيّد بالإجراءات الصّحيحة، فكلّما زاد كمّ علاقاتك، زادت قدرتك على الاتّصال مع الآخرين، وأصبح إنشاء علاقاتٍ جديدةٍ أسهل مع الوقت، وزاد لديك الإحساس بالمتعة لتكوين علاقاتٍ جديدةٍ، وفي سبيل ذلك ينبغي توجيه الجهود نحو الأمور المشتركة التي توفّر قاعدةً أفضل للاتّصالات الجديدة وتنوّعها، ممّا يعني زيادة التّنوّع في طبيعة الأشخاص المشاركين، وتقوية الرّوابط التي تمّ إنشاؤها. خلق الإنسان ليعيش في مجموعاتٍ، ومع ذلك قد تكون الوحدة متطلّباً وأمراً مرغوباً في بعض الأحيان، ولكنّها لو استمرّت تصبح قاتلةً مع الوقت، فالتّواصل مع النّاس وامتلاك حياةٍ اجتماعيّةٍ مفيدٌ عمليّاً، كما أنّه غريزةٌ إنسانيّةٌ، وينعكس التّواصل إيجاباً على الصّحة الجسديّة والنّفسيّة، لذلك اخرج أكثر مع الأصدقاء والمعارف، وتواصل مع الأصدقاء القدامى، وشاركهم وجبات الطّعام، فتناول الطّعام يكسر الكثير من الحواجز، ويفسح المجال والوقت للتّواصل أكثر. تكمن الصّعوبة ببداية إنشاء هذه العلاقات، وذلك في آليّة العثور على الجودة والتّنوّع والارتباط في تجمّعاتٍ مختلفةٍ، والتي ينبني عليها إنشاء العلاقات، فتزداد اتصالاتك بسبب ارتباطك بتجمّعاتٍ مختلفةٍ، وبالتّالي تزداد قدراتك على التّواصل، ولكنّ هذه التّجمّعات الأولى هي الأساس، وهي التي ستبدأ منها علاقاتك وتتفرّع أكثر، لذلك سيطر في البداية لتصل لأهدافك في المستقبل.
الشّهرة هي أن يصبح أحد الأفراد معروفاً لكلّ الأشخاص في تجمّعٍ واحدٍ أو أكثر، ولأنّ هذا الشّخص مشهوراً لا يعني أن يكون محبوباً، فمن الممكن أن يشتهر شخصٌ لغبائه مثلاً، كما تختلف الشّهرة تماماً عن الشّعبيّة، والتي تعني أن يكون الشّخص محبوباً من الغالبيّة، وينظرون إليه بعين الاحترام والتّقدير، فالهدف إذن ليس الشّهرة وحدها، بل الشّعبيّة أيضاً. لا يمثّل الوصول لرأي الأغلبيّة أمراً مستحيلاً، فلو افترضت حدثاً سياسيّاً معيّناً له عدّة تأويلاتٍ، وقام ٢٠ ٪ فقط من المدوّنين المعروفين باعتماد تحليلٍ معيّنٍ للحدث ونشر فكرةٍ موحّدةٍ، ستكون النّتيجة انتشار هذه الفكرة كالنّار في الهشيم، واقتناع الأغلبيّة بها. إذا أردت تحقيق الوصول إلى الأغلبيّة، عليك فقط البحث عن المتّصلين الخارقين، والأشخاص المحوريين في هذه التّجمّعات، والذين لديهم الكثير من العلاقات، فلتكن البداية في إنشاء روابط خاصّةٍ معهم، وكلّما أكثرت من هذه العلاقات، سرّعت في وصولك للأغلبيّة، فليس هناك أفضل من التّعريف عليك في هذه التّجمّعات من قبل أشخاصٍ محوريين لهم ثقلهم، وهذا كفيلٌ لانتشارك وقبولك عند الأغلبيّة.
يؤدّي البحث عن الشّهرة، وحضور المناسبات والمؤتمرات التي تهدف لبناء العلاقات المميّزة وتوسيع الشّبكة الخاصّة بنا، إلى الفشل غالباً، لكن لو بحثت عن نشاطاتٍ تحبّها وتستمتع فيها، كممارسة رياضةٍ مفضلةٍ، والخروج برحلةٍ، والتّطوّع لعملٍ إنسانيٍّ، وكلّ ما لديك الشّغف والرّغبة بعمله، فستحقّق بذلك نتائج رائعةً بالإضافة إلى تحقيق المتعة لك، وسيكون لديك الرّوابط الكافية لإنشاء شبكة علاقاتٍ جديدةٍ متنوّعةٍ ومرتبطةٍ بهدفٍ مشتركٍ. تساهم الرّوابط التّعدّديّة بتقوية العلاقات البشريّة، والحصول على كمٍّ هائلٍ من الفائدة والفرص، بعكس الرّوابط المفردة، التي وإن كانت أسهل، إلّا أنّ النّتيجة هي خسارة الكثير من الفوائد والفرص، من ناحيةٍ أخرى، يؤدّي تطوّر العلاقات المشتركة وانتقال العلاقة من مستوًى لآخر لما يسمّى بـ"العلاقة المتعدّدة"؛ كأن تكوّن علاقة صداقةٍ وتصبٍح علاقة عملٍ أيضاً، وكلّما زاد التّعدّد في هذه العلاقة ازدادت عمقاً وقوّةً، فالعلاقة المتعدّدة تعمّق الثّقة وتبادل الأفكار والمعلومات، إذ تصبح الفرص أكثر قوّةً. دلّت الدّراسات على إمكانيّة تطوير علاقات الصّداقة لإنشاء مشروع عملٍ مشتركٍ، لكن ليس العكس، فالعلاقة المتعدّدة تنشأ بين الأصدقاء فقط، وهذا يعطي فكرةً عن كمّ الفرص الممكنة عبر شبكة الأصدقاء، وهذه العلاقات لو تطوّرت، بإمكانها أن توصلك لأعلى سلّم النّجاح وتكوين فرصة العمر، فقد نشأت الكثير من الشّركات العالميّة جرّاء علاقاتٍ متعدّدةٍ، وهي الآن من أكبر وأغنى الشّركات في العالم، لذا ابدأ بدراسة شبكة أصدقائك، وابحث عن إمكانيّات التّطوّر، فأحياناً تكون الفرصة بين أيدينا ولا نراها.
يتعلّق الأمر بمعرفة من هو "صديق الصّديق". يتعلّق الأمر بالحصول على صورةٍ كاملةٍ للشّبكة التي يمكنك الوصول إليها بالفعل، وتعلّم كيفيّة تحسينها
تعمل الخبرة الاجتماعيّة، واللّباقة، والمرونة، والقدرة على الاندماج، على تسريع الوصول للأهداف المرجوّة، فهي الطّريق المختصر للأعلى، كما لا يقتصر بناء العلاقات على العلاقات الشّخصيّة والأفراد فقط، بل يشمل التّجارة والأعمال، ويجب عدم إهمال العلاقات الضّعيفة والقديمة، فقد أثبتت الدّراسات أهميّتها، حيث تبقيك على اتّصالٍ أكثر ممّا تعتقد، فضلاً عن ضرورة الانتباه لكيفيّة تأسيس شبكة العلاقات؛ فتطوّر الشّبكة مبنيٌّ على هذه الأسس، لذا ابحث عن علاقاتٍ تعطيك التّأثير الإيجابيّ وليس السّلبيّ، باعتبار أنّها مصادر سيتفرّع منها شبكة علاقات جديدة، فالإنسان يبحث بطبعه عن شبيهه، والشّخص الإيجابيّ يحيط نفسه بدائرة علاقاتٍ من أشخاصٍ إيجابيين غالباً، إنّ العالم كلّه عبارةٌ عن شبكة علاقاتٍ متّصلةٍ ومتشابكةٍ، وشبكة علاقاتك الخاصّة هي جزءٌ صغيٌر منها، لذلك أهمّ مهارةٍ عليك إتقانها هي الوساطة والقدرة على التّنقّل والرّبط بين الشّبكات المختلفة والاندماج بينها، فكلّما زادت علاقاتك وتنوّعت، زادت قدراتك الاجتماعيّة، وبالتّالي زادت فرصتك للوصول لأهدافك والنّجاح بها.